عبد اللطيف البغدادي
60
مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية
وعندنا أن إفراد البغدادي بابا لهذه الروايات المؤلمة وإمعانه في وصفها مطولة كأنه يتلذذ من ترديد تفاصيلها البشعة - قد يرجع إلى واحد من احتمالات ثلاثة : الأول أن يكون قد شاهد حوادث قليلة منها ثم بالغ في مقدار حدوثها إما لسوء تقدير مدى انتشارها أو لتشويق قارئيه ومستمعيه أو لنزعته للتشنيع ، وأكل الآدميين من الأمور المعهودة في الظروف القاسية ، فقد انتشر عقب الحروب الطويلة المدى كحروب القرون الوسطى أو الحرب العالمية الأولى ، وبين الذين أمضوا أياما طويلة في تيه المحيط أو الصحارى أو القطب الشمالي ، محرومين عن أي مدد ، ولكن عبد اللطيف توقع تهمة المغالاة فنفاها إذ أضاف أنه متخوف من إسنادها إليه مع أنه إنما قص ما صادفه اتفاقا بل إنه كثيرا ما كان يفر من رؤيته لبشاعة منظره . والاحتمال الثاني أن يكون الشعب المصري قد أصيب - في تلك الفترة - بنوع من الهستريا الجماعية نتيجة للظروف غير العادية التي كان يمر بها وأن هذه الهستريا تجسمت إما باختلال في شهوته جعلته يستطعم فعلا هذا الطعام ، وإما بقذف الناس بعضهم بعضا بهذه التهمة الشنيعة ، أسوة بما جرى في أوروبا خلال القرون الوسطى عندما اكتسحت أوروبا موجة تهمة السحر والحكم على المتهمين بالحرق ، وهي الموجة التي أسماها المؤرخون اقتناص السحرة Witch hunting ومن حوادث أكل اللحم البشرى تدرج عبد اللطيف إلى حوادث الفتك في النواحي النائية ولا سيما في طريقي الفيوم والإسكندرية ، وبين ركاب الزوارق ، ثم تناول عدد الذين ماتوا من الفقراء جوعا فقال إن الماشي أين كان وقعت قدمه أو بصره على ميت أو من هو في حكمه . وإن عدد من كان يختطف من القاهرة كل يوم يتراوح ما بين المائة والخمسمائة ، ومن مصر ما لا يحصى ، وإن هؤلاء يرمون في الأسواق لعجز الناس عن دفنهم ، وإن أهل القرى هلكوا قاطبة إلا في الأمهات والقرى الكبيرة كقوص والأشمونين والمحلة ، وإن المسافر كان مع هذا يجد البيوت مفتحة وأهلها موتى كما وصفهم كلام اللّه تعالى ( جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ ) . وروى أنه ركب سفينة فرأى أشلاء الموتى في الخليج وهي على حد قول ابن حجر شبيهة بأنابيش العنصل ، وإن طريق الشام